الدوله التائهه ..( الجزء الثالث) بنية الدوله….( الأجهاز على دور المخابرات)

Posted on December 12, 2011

0


كتب- بيتر سنو

 
يقول أحد مدراء المخابرات السابقين :- في بعض المرات كنا نضخم الحدث في تقاريرنا للملك الحسين رحمه الله أكثر مما يستحق والسبب اننا نريد أن نكون قريبين منه أكثر من أي جهة أخرى …ويضيف هذا المدير السابق :- أن مشورتنا للملك في الغالب كانت تقوم على معلومات وتحليل وتدقيق وكنا نمنحه رأيا مؤسسيا وليس فرديا لهذا كان يثق فينا الملك ….ويضيف هذا المدير :- في الأردن أخطر ما في الحكم هو تبعد الأمن عن السياسه أو أن تفصل بين المسارين وهذا الفصل سيؤدي الى تخبط في القرار وكنا ندرك هذه المسألة جيدا ونحرص على أن لا تتفرد الحكومة أو القصر في القرار .

ذلك استهلال كان لابد منه في الوصول ألى ما أريد أن أوضحه في هذا الجزء من كتاباتي …لقد بدأت المعركه الحقيقيه في أبعاد الأمن وبالتحديد مؤسسة المخابرات عن الحكم في اللحظة التي نشرت فيها جريدة الرأي خبرا عن سميح البطيخي وعن محاكمته …بعد أقالته من جهاز المخابرات وقبل أن ندخل في تفاصيل ودلالات تلك المحاكمه علينا أن نعرج قليلا على المخابرات كنهج ومدرسه ودور وطن  .

مرت المخابرات بثلاثة مراحل أو ثلاثة مناهج في العمل وهي كالاتي:-

1-   محمد رسول :- كان يزاوج بين المخابرات والعسكريه فهو عسكري وأمني في نفس الوقت ولكن يسجل له أنه أكثر مدير حقق أختراقات وزرع مصادر في التنظيمات الفلسطينيه والعواصم العربيه …وكان يدير الدائره بعقليه عسكريه بحته , وكان أختراق الخصم وتجنيد المصادر أولويه لديه وقد زرع في عواصم عربيه الكثير من المصادر وكان يكره السياسه وحشر المخابرات في الزاوية الأمنية البحته

2-   نذير رشيد :- وهو بعكس محمد رسول زاوج بين السياسة والمخابرات وكان يؤمن بضرورة حضوره على الطاوله عند استصدار أي قرار سياسي كان له منهج فريد في أدارة المخابرات يتمثل في أحكام القبضة على القرار ويسجل له أنه أول من جعل السياسي الأردني يلجأ أليه ..وقد قيل عنه أنه صاحب بصمة وأنجاز حقيقي في أحداث أيلول فقد أخترق المنظمات الفلسطينيه جميعها ووفر غطاءا مهما للسياسي والمؤسسة العسكريه اثناء العمليات ..أعترض في تلك الفترة على لجان التسويه العربيه التي كانت تدعوا للحوار والتهدئه فقد قدم استشارات مهمه للملك وأولها أن الجيش قادر على حسم الامر في اشهر معدوده ..اذا نذير رشيد أدرك أن السياسي هو من يحتاج الأمني وفي عهده برزت هذه الثنائيه

3-   مضر بدران :- كان الأنضج سياسيا وكان يؤمن بدور المخابرات في تحديد اتجاهات الحكم ,اذا وضع المخابرات في مسار السياسه كأولويه والأمن كدور, وقد أستطاع في عهده أن يقنع صانع القرار بضرورة التخلي عن التحالف مع سوريا وأعتماد العراق كحليف استراتيجي وقد أنتصرت رؤيته على رؤية زيد الرفاعي وأصبحت مؤسسة رئاسة الوزراء في عهده منفذه للقرار وليست صانعه له بالمقابل صارت المخابرات ذراع الملك والبوصله التي تحدد الاتجاه ومضر أبدع في هذا الجانب وأحترم المللك حسين قدراته ..وفيما بعد سمي مهندس العلاقه الأردنيه العراقيه الجديده

4-   أحمد عبيدات :- كان أشبه بالهيليوم ووصفه في الطبيعة عنصر خامل لا يشتعل ولايساعد على الأشتعال ..عاش على فتات هذه المدارس ولكنه لم يستطع أن يؤسس نهجا خاصا به كونه حاول الأنقلاب على نهج مضر بدران عبر مطاردته للبعثيين واليسار والشيوعيين ..حاول أن يقلد محمد رسول لكنه أسرف في القبضة الأمنيه ويقال أنه أبعد الكفاءات عن الدوله عبر أبتكاره ما يسمى سياسة الأقصاء عن الوظيفة العامه على خلفية الأنتماء الحزبي .

تلك (3) مدارس أساسيه شكلت عمل المخابرات ومنهجها ولا نستطيع أعتبار مدرسة أحمد عبيدات بالمدرسه الحقيقيه لأنها لم تقدم شيئا أبدا

أذا فلنعد ألى البطيخي بالتحديد ألى محاكمة البطيخي ..وشخصية البطيخي وقبل أن نلج في المحاكمه سنقدم تحليلا مختصرا لشخصيته ..البطيخي

هومن مدرسة نذير رشيد وقد جند في المخابرات في عهد نذير وأنتبه اليه الباشا وكان أول الضباط الذين عملوا مع الشيوعيين ..وقد قرأ ( ماركس) وقرأ ( الديالكتيك) واستطاع أن يفهم الية بناء الخلايا في الأحزاب اليساريه وأخترقها ..وتطور في عمله ألى أن وصل الى المرحلة التي تم فيها الأختلاف حول أيهما أولى بتسلم زمام الأمور هو أم سميح بينو…ولكن قدرات البطيخي كانت أكبر فهو أقرب ألى فهم السياسه وهو أنضج في التعاطي مع الواقع وهو أقرب الى المعارضه فهو يفهم الحركه الاسلاميه جيدا ويعرف الية لجمها والية أستعمالها

في اللحظة التي تم تقديمه الى المحاكمه تم فهم الأمر على أنه جزء من شفافية الحكم وان هناك نهجا جديدا يقوم على المكاشفة ولكن الأمر لم يكن كذلك أبدا فقد كانت البدايه لتشويه صورة المؤسسة الامنيه كتمهيد مبرمج ومعد لأقصائها عن مسارات القرار السياسي …خصوصا أنها أخذت زخما شعبيا هائلا فقد استطاعت أن تنقل الحكم بطريقة سلسه دستوريه وشفافه دون أخطاء أو معيقات ..وربما هذا الدور فتح شهية البعض عليها .

تأتي خطوره ما نسميه هنا بالتيار الجديد والذي تطلق عليه الصحافه أسم ( الديجتال) أو ( الليبراليون) أو ( التكنوقراط) …وكان قائدهم الحقيقي في ذلك الوقت هو ( مروان المعشر) والذي تسلم منه باسم عوض الله الراية فيما بعد ..وربما كان مروان يتحرك بمساحات أقل مما تحرك بها باسم والسبب أن مروان عمل مع حالات من الوعي والنضوج مثل (الكباريتي) وغيره ممن كانوا في الحكم …بالمقابل فعوض الله كانت الساحه خاليه تماما له .

نجح ذلك التيار وعبر محاكمة البطيخي بالفصل بين السياسة والامن أو المزاوجه بينهما …وكانت المرة الأولى في تاريخ الدولة الاردنيه والتي يقدم فيها عسكري الى المحاكمة ..وتتم عميلة ( بهدله) مبرمجه له .

الى أن جاء المشير ( سعد خير) ..وربما سعد من مدرسة نستطيع أن نسميها مدرسة الأمن البرجوازي ..أو ما يسمى في علوم الأمن الحديثه الامن الناعم وهي نفس مدرسة نذير رشيد الا أنها تختلف من حيث الظروف فنذير كان في فترة حرب وصدام بالمقابل سعد خير كان في فترة يشوبها الاستقرار …. أدرك سعد خير أن هناك محاولات لأقصاء المؤسسة الامنيه ويسجل له أنه أول من أكتشف باسم عوض الله واكتشف خطورته …وثمة فارق كبير في علم الأمن بين جميع أجهزة الأستخبارات العالميه وبين جهاز واحد هو ( الأم أي سكس) ..ودعونا هنا نفسر الأمر أكثر أجهزة المخابرات العالميه كانت تركز في عملها على المعلومه والأختراق بالمقابل للأنجليز مدرسه أستخباريه عريقه وقديمه تقوم في بعض جوانبها على زرع مشروع في ذهن العميل وأرساله ألى الخصم لتنفيذ ذلك المشروع دون أقامة قنوات أتصال معه كي تضمن عدم أكتشافه .

والمشير سعد خير يسجل له أنه مارس هذا الاسلوب في أختراقه للتنظيمات الاسلاميه وخصوصا القاعده فهو لم يؤمن بالتواصل مع العميل حتى لا ينكشف …لهذا أنبهرت أمريكا والدوائر الغربيه في شخصية هذا المشير كونه أنجز منهجا أستخباريا جديدا اثبت نجاعته في التعاطي مع الحركات والمنظمات المتطرفه .

حاول سعد أن يعيد التوازن والمزاوجه بين الأمن والسياسه ونجح في بعض المحطات ..ألا  ان وجود هذا التيار ونقصد التيار الليبرالي كان طاغيا في المشهد وأستطاع أن يؤسس حضورا لدى صانع القرار أكثر من حضور المؤسسة الامنيه …وتم أقصاء سعد خير عن الدائره بنفس الاسلوب الذي أقصي به البطيخي فقد عمل ما سمي بتيار التكنوقراط على تسريب معلومات تصب في تشويه الشخصيه والمؤسسه …

يقال أن المشير تدخل في حماية مواكب الملك وأقنعه أيضا بأن تكون الطائرة العموديه وسيلة تنقله أكثر من السياره ….وهذا الأمر صحيح فالمشير كان يريد أعادة الأمن للقرار السياسي كونه كان يؤمن أن أبعاد الأمن وفسخ المزاوجه بين هذه الثنائيه سيقود البلد لمرحلة خطيره قد تؤثر على العرش نفسه …لهذا حاول الدخول ألى القرار من زاوية أمنية بحته

ولكن المشير وامام ضربات باسم عوض الله المتتاليه فقد توازنه تماما وبدأت عملية التشويه عبر ما سمي بتدخلات الأمن في مشاريع الأستثمار والخصخصه ..فقد أستطاع باسم عوض الله بدهائه وخبرته في مانسميه بعلم السياسة ( تشويه الصوره) ..أن يقنع الحكم بأن الأمن لايفهم في الاقتصاد وأن تدخلاته هي أعاقه لمشاريع الملك ..وزج عوض الله طعما خطيرا حين أقر وعبر برنامج التحول الاقتصادي والأجتماعي أقحام المخيمات في عجلة التنميه ..وكان ذلك حق يراد به باطل فلم يكن هذا الشخص معنيا بالمخيمات بقدر  ما كان يعمل على أستفزاز المشير …وربما أخطر ما فعله باسم هو محاولته هدم حي ( الشلاله) في العقبه ووضعه ضمن برنامج التحول الأقتصادي والاجتماعي ..علما بأن المناطق الحدوديه هي ذات خصوصيه أمنيه ويجب على الأقتصادي أن يرجع الى الأمني كي يأخذ منه الأستشاره في برامج التخطيط .

شعر المشير أن باسم اصبح يضرب على وتر حساس في صلب عمل دائرة المخابرات عبر أقحام الأقتصاد في مسائل أمنية شائكه ..وكان يذهب الى المشير ويطلب أستشارات أمنيه حول مشاريعه الاقتصاديه ويذهب في نفس الوقت الى الملك كي يخبره أن المخابرات تعيق بعض المشاريع في الدوله …وأخطر ما استفز المشير سعد خير هو قيام عوض الله بأبعاد المخابرات العامه عن المحافظين حين قام بتأسيس لجنة تنمويه لأدارة المحافظه وقرر أن يرتبط المحافظ بوزارة التخطيط عبر هذه اللجنه ..وعبر أيجاد مندوب تنموي يتبع لوزارة التخطيط مباشرة وحين أعترض المشير …تباكى عوض الله أمام الملك .

كان باسم ينفذ مشروع تدمير بيروقراط الدولة …والهدف كان كف يد المخابرات عن حماية أنجازات الدوله .

ملاحظه :-

في الحلقة القادمه سنتحدث عن برنامج التحول الأقتصادي وهو برنامج أستخباري كان هدفه …الأجهاز على دور جهاز المخابرات في الدولة وكيف أستطاع عوض الله أقصاء سعد خير وتنفيذ مخططه .

Posted in: Jordan