الدوله التائهه ….(الجزء الثاني) استهداف الأمن الأردني

Posted on December 12, 2011

0


بيتر سنو- في الجزء الأول اشرنا الى صراع محمد الذهبي وباسم عوض الله , قلنا أن موقف جهاز المخابرات الأردني من عوض الله لم يكن موقفا من نهج أو موقفا من أداره بقدر ما كان موقفا من تنظيم فلسطيني اسمه(فتح) أستطاع أن يزرع عنصرا متقدما في القرار السياسي الأردني والمعطيات تشير ألى أن باسم عوض الله كان أحد كوادر هذا التنظيم في الأردن ولم يكن ينفذ رؤيته بقدر ما كان يخدم  مصالح فتح .

ولم يكن باسم وحده بل كان هناك أذرع أعلاميه وسياسيه مهمه لهذا التنظيم في الحياة السياسية الأردنيه ..وعلى تنسيق وتواصل مع قيادات فتح ..والسؤال ماذا تريد فتح من الساحة الأردنيه ؟….في منتصف الثمانينات أستطاع هذا التنظيم أن يستغل الحضور السكاني الفلسطيني في الأردن وأن يؤسس لقاعدة مالية و تنظيمية كبيره ..وكانت قيادات هذا التنظيم تؤمن بأن الساحة الأردنيه مهمة جدا وبالتحديد في تأمين الدعم اللوجستي والمالي والأهم خلق بلابل …واشكالات تؤسس في ما بعد لأبعاد او فصل الحالة الفلسطينيه عن الأردن وسحب ملف القضيه من يد الملك حسين .

ولأن فتح والفصائل الفلسطينيه الأخرى كانت حالة أمنيه في الذهن السياسي الأردني فقد أوكل لجهاز المخابرات مهمة التعاطي مع تلك التنظيمات ونجح هذا الجهاز بعبقريته السياسيه ..في تحيد خطر فتح …وتم ذلك عبر دعم تأسيس حماس في المشهد الفلسطيني الداخلي وتحجيم نفوذ أبو عمار وقيادات الصف الأول في فتح .

والسؤال هل كانت حماس ذات منشأ أردني ؟ ..ان الغرض من أنشاء حماس لم يكن تهديد نفوذ أبو عمار في الداخل الفلسطيني فقط بقدر ما كان محاولة لمنع تفرد فتح في القرار الفلسطيني …ولأفهام أبو عمار أن الدولة الأردنيه قادره على أختراق الحالة الفلسطينيه وقلب كامل المفاهيم في حالة قيام  (فتح) بمحاولات توسيع نفوذها على الساحة الأردنيه ….وفعلا نجحت المهمة تماما وأستطاعت حماس أن تحصد جماهيرية عاليه في حين أن فتح وصلت لقناعه مهمه وهي أن اللعب في الساحة الاردنيه أمر خطير وله محاذيره وأنعكاساته على فتح نفسها.

لهذا حين أراد محمد الذهبي مدير المخابرات السابق أعادة قادة حماس قبل أعوام ووظف نخبا شرق أردنيه في الأعلام لتهيئة مشهد العوده وأجرى أتصالات حثيثه لم يكن غرضه حماس كتنظيم فلسطيني مقاوم بقدر ما كان غرضه توجيه رسالة لقادة الصف الأول في فتح …بعدم العبث في المشهد الداخلي الأردني …

بعد أن أيقن أن هذا التنظيم قد غير نهجه في الساحة الأردنية تماما فقد صار يزرع في القرار السياسي الأردني بعضا من كوادره ولم يعد يعتمد على الجماهير والكوادر الموجوده في الشارع وهذا ربما يكشف الفارق بين نظرة محمود عباس ونظرة أبو عمار للساحة الأردنيه فالرئيس الراحل كان يرفض (توزير) أي فلسطيني في الأردن لأنه يعتبر ذلك تذويبا لهوية الشعب الفلسطيني وأعتداءا على قيادته لفلسطيني الشتات …و( أبو عمار) قاتل مطولا ليكون قائدا لكل فلسطيني في المهجر سواء كان لاجئا أو نازحا أو حتى مواطنا ويحمل جنسية الدولة التي يعيش فيها ….بالمقابل فمحمود عباس يؤمن بانه شريك في القرار السياسي للدولة الأردنيه …على قاعدة مهمه برزت لدى قادة الصف الأول من فتح وبعد رحيل أبو عمار وهي أن الأردن يجب أن يكون وطنا أحتياطيا للفلسلطينين في حال فشل قيام الدوله ….وربما أكثر رجل أمن بهذه القاعده هو ياسر عبدربه .

أن جهاز المخابرات الأردني أتقن لعبة السياسة بأمتياز وأستطاع أن يفهم تفكير فتح جيدا  وخاض معها صراعات مهمه ومصيريه وأبعد نفوذها أو قننه في الساحة الاردنيه …بالمقابل وصلت فتح لقناعه مهمه وهي ان تحيد جهاز المخابرات الأردني في لعبة الوطن الاحتياطي هي أمر ضروري لجعل هذه الساحه أشبه بالحديقه الخلفيه لاي مخرج للحالة الفلسطينية الراهنه .

فالمشهد الان وكيف نفسره ؟ بدأت محاولات تكسير جهاز المخابرات الأردني مبكرا وربما أستعرت في عهد المشير سعد خير حين أنقض باسم عوض الله وتياره المسمى (بالديجتال) على بعض الاستشارات الأمنيه السياسيه للمشهد الأردني ….وحاولوا أقحام الجهاز في صراعات داخليه لتعطيل يده الخارجيه والاهم من كل ذلك أنهم مهدوا لهذا الأمر …بأحداث فجوة في علاقة المؤسسه بالعرش الأردني تعد الأخطر وهي تقديم سميح البطيخي للمحاكمه وكان هذا الأمر في السابق يعتبر من المحرمات فالأردن حصن العسكريين جيدا …ولم يقحمهم في مسائل تصفية الحسابات السياسيه …وأخطر ماصنعه باسم عوض الله بعد أن شوه صورة المؤسسة الأمنيه هو أنه أبعدها كمرجعيه أولى ومهمه لصانع القرار وسنشرح الأمر ؟

في عهد الملك حسين كان القرار الأردني محكوم ب(3) جهات أولها مصلحة الدوله والنظام …ثانيها البعد الخارجي وثالثها الرؤيه التي تقدمها المخابرات العامه ..والسؤال كيف ؟:- أن اقرب مؤسسه للنظام السياسي الاردني كانت مؤسسة المخابرات كونها ترفد النظام بمعلومة دقيقه ومهمه وكونها الأداه التي تنفذ قرار الملك ..

وكانت هي حجر الزاويه ومرجعية الملك الراحل وقد أعتمد عليها الملك الراحل في تمرير معاهدة السلام الأردنيه الفلسطينيه والأخطر من ذلك أنها زودت الملك الراحل برؤية ثاقبه ومعلومات تبين فيما بعد أنها جديه وحقيقيه عن أنفصال المسار الفلسطيني وتفرد الاسرائيلين بمنظمة التحرير عبر مفاوضات ( أوسلو) …وهي التي أستطاعت أن تلغي تهميش الأردن وتزود الملك بمسارات وحراكات مهمه يعتمد عليها ..بعد ماسمي بأوسلو أو بالوصف الدقيق الطعنه التي تلقاها العرب في الظهر .

فتح كانت تدرك أنها لا تستطيع اللعب مع السياسي الأردني كون الملك حسين مبكرا صنفها على أنها ملف أمني أولا اضافة للملف السياسي ولهذا كانت تخشى المؤسسه الأمنيه الأردنيه .

أن المهمه الرئيسيه لباسم عوض الله في الأردن كانت ( تحييد ) جهاز المخابرات العامه في المشهد السياسي وان صلب الصراع بين الذهبي كمدير وابن محترف لمدرسة البطيخي وسعد خير ..كانت تتلخص في أجهاض المشروع الفتحاوي الذي يتطابق والمشروع الليكودي الأسرائيلي وحتى يتم أجهاض هذا المشروع بكل تفاصيله وأدواته ..وبعد أن أيقن الذهبي أن دائرة المخابرات لم تعد مرجعيه اساسيه في القرار السياسي الأردني …

تم  أحداث ما نسميه  أنقلابا أجتماعيا لدى النخب والوجود الشرق أردني في الدوله …عبر تحريك بيروقراط الدوله وأستنهاض همم المتقاعدين العسكرين وزج المحافظات في عملية الأنقلاب الأجتماعي ولم يكن هذا الأمر مقصودا وأنما كان الهدف منه دعم الرؤيه الأمنيه ….والتي كانت تهدف الى أبقاء المخابرات كمرجعيه أساسيه في صناعة القرار السياسي .

ولكن ردة الفعل كانت عكسيه وأنتصارا لتوجه (عوض الله) ولبرنامج فتح السياسي الذي يهدف في خفاياه الى جعل الأردن وطنا أحتياطيا ليس للفلسطينين وأنما لفتح كحاله وقائده للسياسه الفلسطينيه …وتمثلت ردة الفعل بوضع الرقاد مديرا لهذا الجهاز …ولأن هذا الرجل قادم من الميدان ولم يكن ضابطا تم تأهيله لقراءة مشاهد سياسيه أقحم دائرة المخابرات بدور أمني فقط …وعمل على تحجيم دورها دون قصد …وكأنه بسطحيته السياسيه يخدم مشروع (عوض الله) بأمتياز …وفي عهده فعلا تم أبعاد هذا الجهاز عن صناعة القرار وحماية شكل الدوله وبنيانها .

والسؤال الذي يطرح الان هل تتطابق رؤية الحكومه الحاليه ومنهج عوض الله في النظره لجهاز المخابرات الأردني ؟…أن أبعاد جهاز المخابرات وتحييده هي أيضا مطلب غربي …يتطابق ونظرة الأسلاميين للمشهد ويتطابق مع مشروع فتح الذي نفذه عوض الله …وفي النهايه يتطابق أيضا مع مشروع القاضي الدولي الذي جاء من (لاهاي) ليكون رئيس وزراء في الدوله

بعباره أخرى هناك (4) اطراف تعمل بمسار واحد فيما يتعلق بدور جهاز المخابرات وهي عوض الله ومن يحمل فكره والاسلاميين اضافة لفتح والمؤمنين فيها بالاردن كوطن أحتياط  والليكود الأسرائيلي أليس الأمر غريبا جدا ؟

علما بأن علاقة عوض الله مع الأسلاميين لم تبحث نهائيا ولم يقم الاسلاميين تاريخيا بتوجيه نقد لسياساته ولم يقم هذا الأتجاه أيضا بمهاجمته بالأسم  بل قفز عنه في الحراك الأخير وأنتقد رأس النظام مباشرة …وهذا ربما يفسر أن هناك هدفا خفيا للطرفين وهو تحييد المؤسسة الأمنيه

والأخطر من ذلك أن الليكود الأسرائيلي حين يشن هجوم أختبار على الأردن يبتسم الجانب الفلسطيني ولا يصدر عن سلطة عباس أي أستهجان رسمي ابدا .

ولكن الغريب في المشهد هو أن الرئيس الحالي جاء بمشروع علني بمعنى أخر نقل الصراع من الخفاء ألى حالة العلن وهاجم المخابرات مباشره وهاجم ادوراها وهو يعرف في قرارة نفسه أن محمد الرقاد هو المدير الوحيد الذي قلص وحجم الدور السياسي للمخابرات تماما .

في ايلوم الأسود أستطاع جهاز المخابرات أن يحمي النظام والدوله عبرأختراقه التنظيمات الفلسطينيه وتقديم المشهد واضحا أمام الملك وأستطاع هذا الجهاز أيضا أن يمنع اعادة الوجود الفلسطيني التنظيمي في الساحة الاردنيه وأن يكبح شهوة المنظمات في استعمال الأردن كحديقه ومنطلق سياسي وبنك لجمع الأموال ….وفي بداية التسعينات أستطاع هذا الجهاز وبعد حرب الخليج الأولى مباشرة أن يحمي الأردن من أي انفجار أجتماعي أو سياسي بعد أن تضاعف عدد سكانه وبعد أن حاولت أجهزة مخابرات عربيه وأجنبيه لعب أدوار على أرضه نتيجة لموقفه من الوجود الأمريكي في المنطقه .

وفي تلك الفتره نجح الجهاز أيضا بكبح جماح التغول على الدوله ..والأهم أن جهاز المخابرات وفر لمؤسسات الدولة في لحظة قلق وطني عارم الية سلسه وامنه لأنتقال السلطه في العام (99)…

وقبل ذلك والأهم أنه كان من أقوى الأجهزه العربيه في منع أحداث أي تداعيات لمغامرات أسرائيل العسكريه في لبنان وفلسطين على الساحة الأردنيه …والأهم من كل ذلك أن جهاز المخابرات الأردنيه أستطاع أن يؤسس لعلاقة نديه مع أجهزة الأمن الاسرائيليه فقد حصن الساحة الاردنيه ومنع أختراقها بعكس لبنان التي اخترقت أسرائيل فيها كل شيء بما في ذلك شبكات الأتصالات وبعكس سوريا ألتي قصف الموساد فيها ماسمته أسرائيل بالمفاعل النووي ..بالمقابل فشل الموساد في أغتيال خالد مشعل لدينا والسبب يعود الى مؤسسه أمنيه قويه ومنظبطه .

والسؤال لماذا يستهدف الاسلاميون في الأردن جهاز المخابرات العامه ولماذا حاول عوض الله أبعاد هذا الجهاز عن القرار السياسي ولماذا ما زالت فتح مصره على تحييده في العلاقه مع الأردن ولماذا يأتي رئيس وزراء ومن أصل شرق أردني ويبدأ عهده بنقد هذا الجهاز .

أي مشروع لانهاء الدولة وأضعاف مؤسساتها في الأردن يبدأ بجهاز المخابرات العامه والمؤامره على هذا الجهاز لم تكن خارجيه بل داخليه للأسف وابتدأتها (فتح) …ورجالاتها في عمان ولا نستثني رأس المال الفلسطيني فصبيح المصري شريك في المشهد …

ولا نستثني مليشيات اعلاميه أردنيه داخليه بدأت تحاول تكسير الجهاز عبر اشاعة جو من الشك والفساد حول قادته ….ولا نستثني اللاعب الأكبر في الساحة وهم الأسلاميون بعمقهم الفلسطيني ولا ننسى رئيس الوزراء الحالي بهويته الشرق أردنيه.

في النهايه الجميع يرتبطون بالغرب فتح بحراكها السياسي الكاذب في أغلبه والصادق احيانا وباسم عوض الله في مرجعيته الأقتصاديه الغربيه والتنظيميه …والاسلاميون ألذين تبين للجميع بعد تداعيات الربيع العربي أنهم يتكأون على أمريكا في حضورهم وشراكتهم وليس هناك أبلغ من ( راشد الغنوشي) في تونس كنموذج سيقلده الأسلاميون في الأردن وفي النهايه عون الخصاونه وهو الرجل الذي قام بتكييف محاكمات البلقان بحسب الرغبه الامريكيه البروتستانتيه والرجل الذي وصف بأنه مهندس ترسيم الحدود وتأجير الباقوره في معاهدات السلام ….

ولا ننسى الليكود والذي تلقى لطمه قويه لن ينساها حين فضح جهاز المخابرات عملية أغتيال خالد مشعل وقام بكسر يد اسرائيل في الساحة الأردنيه … وأعطى درسا للأمن الأسرائيلي مفاده أننا لسنا شبيهين بالساحة اللبنانيه أو السوريه .

للأردن مفتاح واحد حتى تنهيه وهو دور جهاز المخابرات في حماية النظام السياسي وحماية القرار وحماية الدوله ….وهناك أطراف تحاول مسك هذا المفتاح وكسره أو الغاءه لتنفيذ ما يرونه مناسبا ….بدءا من تحويله لوطن أحتياط ومرورا بتذويب هويته وأنتهاءا بخلق الفوضى على ساحاته .

والسؤال هل تدرك القوى الوطنيه الحقيقيه في الشارع خطورة هذا التحالف وهل تدرك أن ترك جهاز المخابرات وحده في العاصفة أمر خطير …لا نعرف ولكن القادم ربما له ايقاعه وربما الرياح لن تجر بماتشتهي فتح وعوض الله والأسلاميين وحتى المؤسسه الرسميه الأردنيه .

Posted in: Jordan