الدوله التائهه …(الجزء العاشر)

Posted on December 19, 2011

0


كتب – بيتر سنو

سنفتح في هذه الحلقه بابا خطيرا …هو علاقة الأردن مع الخليج وسنقرأها بحجم العثرات والخطايا التي أرتكبت فيها…وثمة مهندس ومدمر لهذه العلاقه وهو باسم عوض الله …كيف ولماذا والى أين قادنا ؟….سنشرح لكم التفاصيل .

في العام (2008) ..كنت مقيما في فندق (دبليو جي ماريوت) بوسط العاصمة الكويتيه  وبمهمة صحفيه ..وفوجئت في اليوم التالي بترتيب لقاء لي مع (محمد جاسم الخرافي) رئيس مجلس الامه الكويتي …قيل لي وقتها يجب أن تكون جاهزا في الساعة التاسعه ولأني أعرف أن المواعيد الرسميه في الكويت تتأخر قليلا تناولت أفطاري ونزلت الى (اللوبي )…و في تمام الساعه العاشره ..وجدت بأنتظاري مستشارا في وزارة الاعلام وسائق …وأنطلقنا صوب مجلس الأمه .

حين دخلت لم يحدد مدير المكتب وقتا للقاء وأخبرني أن الرئيس …سيجلس معك مطولا (فخذ راحتك) …الخرافي هو شخصيه سياسيه كويتيه محترمه تحمل مزيجا من الاقتصاد والخبره الأجتماعيه وفهم الدولة بكل مكوناتها وهو شخصيه توافقيه كويتيه …جلسنا وبدأنا الحديث وكان الاردن موضوع الحديث …في البداية سرد لي قصة عن الملك حسين وعن العلاقه التي ربطت بينه وبين الراحل الحسين في الاسكندريه حين كانوا طلابا في كلية  (فكتوريا) ..ثم تحدث عن ميزات وسجايا الحسين ..واسترسل في حديث الذكريات مطولا… احسست للحظة أن الرجل يملك دفئأ اتجاه الأردن … لم يتطرق الخرافي أبدا للحاضر ولم يطرق بوابات المستقبل بل ظل حديثه مرتبطا بالحسين ورحلة الدراسه بين جدران كلية فكتوريا في الاسكندريه .

خرجت من اللقاء وكل ما استمعت اليه كان مجرد ذكريات عابره عن علاقة شخصيه ربطت الخرافي بالملك الحسين …

كان ذلك استرسالا لابد منه في الولوج الى صلب العلاقة وتفكيكيها … الأردن أقام علاقته مع الخليج عبر الأطراف ولم يقمها مع رأس الهرم السياسي ….ومن أسس لهذا النهج هو باسم عوض الله البهلون وسنشرح قصة الأطراف والرأس ….باسم كان شخصيه مبهمه لدى السعوديين كونه في حديثه يركز على الجوع والفقر ..لهذا لم يسمح له بتعدي خط مجموعه  الأطراف …في حين أن عدنان أبو عوده مثلا حين كان مستشارا للملك الراحل كان يركز على خطاب رأس النظام السعودي …لهذا في زيارات الحسين للسعوديه …لم تكن مرتكزه على لقاءات جانبيه مع وزير الدفاع أو ولي العهد بقدر ما كانت ترتكز على سماع الالتزام والمعلومه من رأس النظام السعودي مباشر أي:- من الملك

بالمقابل حين تسلم باسم عوض الله الديوان الملكي أقام مجموعه من الصداقات مع بعض الأمراء وخاطبهم في الشئون الأقتصاديه واغفل جوانب السياسه …مما حدا بالخليج للنظر ألينا كملف أكثر من ند …بصراحه اصبح للأردني وضعا مزاجيا فمن الممكن أن يزور أي دولة خليجيه ويلتقي فيها أميرا من الصف الثاني في القياده ..ويخرج من اللقاء دون أي شيء يذكر …

وباسم البهلون حدد برامج تلك الزيارات بشيئين هما المساعدات والدور الأمني الشركاتي الذي من الممكن ان نلعبه في التدريب الأمني والعسكري بمعنى أدق كانت زياراتنا تقوم على عرض البضاعه وطلب المعونه … والأخطر أنه تشعب في العلاقات الى ما هو أخطر عبر عرض قدراته الأقتصاديه ومشاريعه …وقد أفصح لي مسئول خليجي عن قيام هذا الرجل في أحد الاجتماعات بعرض افكاره عن برنامج التحول وكيف من الممكن للقطاع الخاص أن يؤسس ..شراكه حقيقيه مع الحكومه وعرض نموذج الحكومه الألكترونيه …ويضيف هذا الشخص :- كنا نستغرب من طروحات هذا الرجل فهو يأتي الينا كرئيس ديوان ملكي ..ونتعامل معه بهذه الطريقه ولكنه يقدم خبراته ألينا وكأنه يريد أن يكون مدير شركة أو مسئولا عن بئر نفط .

 

بالمقابل كان الملك حسين يؤسس لخطاب ندي مع الخليج …ولم يتخل عن البعد الهاشمي في تلك العلاقه القائم على النظر للأردن كدوله مرجعيه وليست ملفا ….في النهايه مالذي حدث ؟ الذي حدث أن الخليج صار ينظر الينا كملف شائك يشبه البحرين ….وهو ملف بيد السياسين الخليجين من الصف الثاني ..وليس من الصف الأول ..وبالتالي صارت السعوديه تعطي أدوارا لبعض الدول في اطلاق تصريحات تتعلق بالعلاقة مع الخليج ..وهي مجرد أدوار .

 

لكن الذي لم نفهمه بعد هو أن ابتعادنا عن خطاب رأس الهرم جعلنا دوله ثانويه في الخطاب الخليجي وليست محوريه ….السياسي الأردني لم يفهم للان أن بروز نايف كولي للعهد في المعادله السياسيه السعوديه …هو الذي أفرز هذا الرفض القاطع لدخولنا في المنظومة الخليجيه ..ولأننا أعطينا الملف لشخصيه شركاتيه تشبه باسم عوض الله سقطنا في المحظور وسنعرف كيف …أولا ناصر جوده لايفهم في التاريخ شيئا ولم يقرأ كتابا واحدا في حياته أو تقريرا مفصلا عن بنية النظام السياسي السعودي .

 

والأخطر من أدارة السياسات في الديوان الملكي لم ترفد الملك أو الخارجيه بأي تقرير ..مفصل عن أسباب الرفض …وسنخبركم بالسبب :- نايف ولي العهد السعودي هو الأب الروحي للمؤسسه السياسيه الوهابيه السعوديه …وهو الأقرب لهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر …وقد أستطاع أنتاج حالات جهاديه من هذه المؤسسات …فيما بعد أفرخت القاعده واستطاع أيضا حماية الداخل السعودي من تغول القاعده ..عبر تقويته للاتجاهات المعتدله في هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ….بمعنى أخر اسس خطا في الوهابية السعوديه هو خط الاعتدال .

 

كان الأمير نايف يؤمن بقوة هذه الجماعات ويؤمن أن شرعية النظام السعودي هي بالاصل دينيه ..وهي مستمدة من حماية بيت الله الحرام ومن حضور الولاية الدينيه في شؤون الدولة ..وحين توسع نفوذ هذه الجماعات تم تصديرها لممارسة العقيدة الجهادية في الخارج ..وكانت أفغانستان هي الملاذ وأهم نجاح تم تحقيقه هو طغيان الفكر الجهادي السلفي الوهابي على الفكر الأكاديمي الاسلامي المرتبط بالأزهر ..ونجح الأمر فالسعوديه لا تسمح لأحد بأن يزاحمها في الفتوى والزكاه وفي القضايا الفقهية الاسلاميه وقد حاولت قطر عبر القرضاوي وفشلت ….ولكن بعد احداث 11 سبتمر وجد العالم أن الفكر الوهابي الجهادي هو من خطط وضرب أمريكا في عقر دارها لهذا أحس الأمير نايف بالخطر ..وكان قد أطلق تصريحا وقتها أثار العالم وهو أتهام الموساد بأنه خلف أحداث سبتمر ….حاول العالم بعدها الضغط على السعوديه لتفكيك الحاضنه الرئيسيه للفكر الوهابي وهي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..وكانت الولايات المتحده تكن العداء الشديد للأمير نايف ..

 

هنا برزت عبقرية ولي العهد نايف …فقد استطاع تجاوز الضغوط الداخلية والخارجية …الخارجية المتمثله بأمريكا والداخلية المتمثله بالأتجاهات شبه الليبراليه والتي يقودها بندر بن سلطان …وأعاد أنتاج هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر …على اساس دعوي وليس سياسي ..ولهذا بعد أحداث 11 سبتمر برزت في المجتمع السعودي مايسمى الدراما الناقده (طاش ماطاش) وكانت تلك محاولات تنفيس وتكسير لبعض التابوهات القائمه …نعم تجاوز نايف الأزمه عبر أعادة صياغ الخطاب الديني السعودي الذي صار يصدر لأفغانستان الزكاه بدلا من المجاهدين وترسخت عند الدعاة تلك النظريه فالخبز أحيانا أولى من البندقيه .

 

ولأن نايف يملك عبقرية فذه ..فقد أقتنعت أطراف المؤسسه الحاكمه بنظريته ولهذا ..تركته يعيد أنتاج المؤسسه السياسيه الوهابيه لأن النظام السعودي أدرك أن حضور هذه المؤسسه هو واضح وطاغ في الحرس الوطني والجيش والمؤسسات الاجتماعيه الاخرى .

 

اذا هل تقبل المؤسسه السياسيه الوهابيه بأدخال دوله تملك معاهدة سلام مع أسرائيل وتملك حدودا قوامها (600) كيلوا …كيف يصح الأمر والسعوديه مازالت في حراكها السياسي تحسب الف حساب للمؤسسة الدينيه ولرجالات الفكر الوهابي وللمدرسة نفسها …والأمر الاخر الذي يجب طرحه هو هل سيقبل المجتمع السعودي ذلك واقصد مجتمع النخب المتدينه .

 

ولنعد الى التاريخ الى القرن الماضي ولنسأل لماذا أعطتنا السعوديه ما طوله (17) كيلوا متر من أراضيها في العقبة …السبب بسيط أنها لم تكن تريد أن يكون للزوارق الأسرائيليه مدى في (مناظير) ابراج مراقبة جيشها

 

اذا ادخلونا في مجلس التعاون الخليجي يزعج المؤسسه الوهابيه في السعوديه وهذا أمر لابد من أخذه في الحسبان …ولكن السؤال هل تم تقديم هذا الأمر للملك …بالطبع لا لأن شخصيه مثل ناصر جوده ليست بهذا العمق كيف تفهم طبيعة الحكم السعودي ولأن القائمين على سياسات الدوله أبعد ما يكونوا عن فهم الحراك الداخلي في السياسة السعوديه .

بالمقابل سترفض السعوديه وقد ترفض عمان وقد ترفض قطر حين تكتشف أن رجل بموقع رئيس ديوان في الأردن مثل باسم البهلوان يأتيهم كيف يقدم مشاريعه وبرامجه في الخصخصه …ويتناقش معهم في أطار الباحث عن فرصة عمل وليس في أطار رئيس ديوان دولة طحن جيشها جيش اسرائيل في حروب كاسره .

علاقتنا مع الخليج هي علاقة أطراف وليست علاقه مع العنوان الرئيسي وخطابنا الموجه للخليج هو خطاب ….شركات ومنبطحين ..اذا كيف نستطيع أن نفرض على الخليج .

قد يقول البعض أن الأردن لا يملك أوراقا رابحه ..بالطبع الأردن يملك أهم أوراق ويستطيع أن يفرض نفسه في المعادله …ماذا مثلا وفي لحظة غضب من برامج قناة الجزيرة الموجهه ضد الأردن …ماذا مثلا لو قرر الأردن أغلاق أجوائه في وجه الطيران القطري …تخيلوا الطائره القطريه القادمه من تركيا للدوحه كيف سيكون المسار الذي تسلكه حال حجب الأجواء الأردنية عنها …وتخيلوا حجم الخسائر …بالمقابل أجواء قطر تحتاج لاربع دقائق فقط من أجل عبورها وتحتاج لزياده قدرها (7) دقائق لتفاديها .

لماذا لا يتعامل الأردن بنديه ….لماذا يطلب ولا يفرض …ذاك سؤال مقلق وموجه للدبلوماسية الأردنيه …فهل تستطيع الأجابه ؟….سأعود للبدايه لحديث الخرافي عن الملك حسين وسأقول أني استنتجت منه أمرا مهما وهو أن الخليج يحكم الأبعاد التاريخية في العلاقات …اليس الهاشميين هم سادة العرب وأهل التاريخ …وصفحاته المضيئه هكذا تقول الكتب وليس أنا اذا لماذا لا نحكم البعد الهاشمي في القصه .