مفهوم الدولة الغائب …. بقلم د.عامر السبايلة

Posted on February 13, 2012

0


سؤال بدأ يؤرق الجميع دون استثناء و يحق للصغير قبل الكبير أن يسأله و هو يشهد هذه التحولات التي تثبت في كل يوم أنه لم يكن للاردنيين في يوم ما دولة تحتضنهم و تعاملهم معاملة الأبناء. فعلاقة الدولة الأردنية مع شخوصها هي علاقة أقرب الى علاقة الأبناء بزوجة الأب, و في صور أخرى علاقة مصلحية مرحلية على شاكلة زواج المتعة لا الزواج الكاثوليكي.

ما هو مفهوم الشعور الوطني في خضم الأحداث و التحولات التي نشهدها اليوم؟

مدراء مخابرات يتهمون بالفساد من البطيخي الى الذهبي مروراً بملف الرقاد الذي سيفتح قريباً حيث أن ثمن منزله فقط يتجاوز الأموال التي يتهم الذهبي اليوم بغسلها في مفارقة هي الأكبر و الأكثر اضحاكاً, و لا ننسى سعد خير و الذي لو لم توافه المنية لكان اليوم في احد المهاجع بجانبهم بتهمة المنحة النفطية على أقل تقدير.

هل يعقل أن يحدث هذا في دولة تعنى بالشأن الوطني و الحفاظ على الأمن القومي؟

لابد من استحضار المثال المصري لتبسيط المسألة و توضيحها, و لابد من السؤال ان كان احد منا سمع أحد المصريين يصب جام غضبه على جهاز المخابرات المصري في ظل التحولات و المشاحنات التي تسود الشارع المصري. الجواب لا , فصورة جهاز المخابرات تبقى مرتبطة بالحفاظ على “الوطن” و مواجهة الصراع مع الموساد و هذا ما يثبت ان العقل المصري لازال يحتفظ بصورة البطولة لعملاء المخابرات المصرية الأبطال من أمثال رأفت الهجان و جمعة الشوان. فالمخابرات جهاز يرتبط بالأمن الوطني, و تحويله لجهاز يشابه مخرجات حبيب العدلي و أمن الدولة المصري يضعه في خانة العداء للشعب و للاسف هذا ما يحدث في الأردن اليوم و لم يحدث في مصر حتى بعد انهيار النظام. فما من داع لا للتحليلات و لا للتساؤلات فالهدف بات واضحاً و هوتشويه صور الناس و الصحفيين بأسلوب شيطاني تفجيري يهدف الى دب الخلاف و خلق حالة من الفوضى في المرحلة الأولى و من ثم قوقعة أي صاحب رأي, حتى لا يكون لرأيه مكان في كل ما هو قادم, حيث تبقى لعنة الفساد و التآمر تلاحق كل من ذُكر اسمه و بالتالي يختفي من الساحة ذكره طوعاً أو خجلاً . المضحك في كل هذا أن من قام بهذا العمل نسي أنه لم يشيطن فقط الشخوص بل شيطن الجهاز حيث تم تصوير جهاز المخابرات بصورة أقرب الى الموساد الاسرائيلي و التعامل معه فضيحة. و كأن الأمن الوطني الأردني ليس هو الهدف. على كل الأحوال لسنا بصدد مناقشة جزئية صغيرة فالأعطيات و شراء الولاءات هي سياسة انتهجها جميع المسؤوليين دون استثناء من سابق و حالي و قادم ان بقي الحال على ما هو عليه لا قدر الله. فكل من رؤساء الوزارات و الديوان الملكي و مستشاريهم و قادة الجيش و الأمن العام انتهجوا نظام الأعطيات التي لا تدخل في جدول الموازنات.

و حتى يستمر الوجع الأردني اختفت في هذه الحقبة فكرة المؤسسات, و ارتبطت فقط بالشخوص التي تجلس على رأس الجهاز أو المؤسسة, فنحن للأسف لم ننتج وطناً بل أنتجنا شخوصاً و هذا هو الثمن الطبيعي لاختزال الوطن بالشخوص. و عن أي شخوص نتحدث, شلةٌ من قُصار الذهن و عقيمي التفكير, من مرتزقة الشخوص و متقني التطبيل, من محترفي الشخصنة و الضدية و المناكفات الشخصية. كل هذا حاضرعلى سلم أولوياتهم أما الوطن ليته كان في ذيل القائمة حتى, فهو غائب لايكمن استحضاره.

لذلك لا يمكن اليوم محاكمة جزئية فقط من قضية أو شخص دون الشخوص, فالانقضاض على هذا النهج و انتاج الدولة الحديثة هو الهدف و الذي يسعى من وراءه الأردنيون في محاكمتهم للفساد, و ليس الاستعراض و ارضاء فلان و معاقبة فلان. و بالعودة لقضية الاسبوع , فبعد “حدوتة شاهين” و “خرافة الكازينو” اللتان شابهتا حكايات الحكواتي التي تستخدم لتضييع الوقت و التسلية, تاتي الحلقة الجديدة تحت عنوان قضية الذهبي و التي مُهد لها باعلان دعائي يسبق العرض كان عنوانه “قبيضة الذهبي”, فهذه القضية لا يمكن أن تمر مرور الكرام, لعدة أسباب, ذاك ان من يجب محاكمته أولاً هو البنك المركزي و موظفيه المتسترين على القضية لسنوات, و وزير المالية الحالي الذي تمت على عهده هذه القضية حين كان على رأس البنك المركزي, و السكوت عن هؤلاء الى الان هو الجريمة الكبرى. و يتندر بعض الأصدقاء قائلين أن في الاردن تُهم غسيل الاموال لايمكن الا أن ترتبط بشكل من أشكال تصفية الحسابات, و يضيف صديق متندراً, أن مبلغ 30 مليون في مفهوم جرائم غسيل الأموال يعتبر أتعاب لانجاز مثل هذه العمليات التي تتجاوز فيها قيمة الأموال المغسولة مئات الملايين. اذاً, فالتوقف على محاكمة “الأتعاب” فقط هو الفساد بعينه و يضع أجهزة الدولة كاملة في خانة الشريك. فالمؤسسات التي تُدير الفساد و تتستر عليه و تسكت عنه لسنوات هي بلا شك شريكة في الجريمة و لا بد من اجتثاثها.

حتمية محاكمة الفساد قادمة, الدولة أمامها أيام معدودات و الا ستتجاوز الارادة الشعبية وجود الدولة, عندها ستكون أدوات المحاكمة شعبية بامتياز و ليست ادوات التستر و الانتقائية ذات الرعاية الرسمية التي تتم الان! و لكم العبرة في رمزية الرسالة القادمة من ذيبان بضرورة محاكمة البهلوان. الميناء و البوتاس و الماء و الكهرياء, الفوسفات و الاتصالات و مئات القضايا التي تمس قوت الأردنيين كل هذا يتم السكوت عنه و الهاء الرأي العام بقصص من طراز داحس و الغبراء و التي لا تقدم و لا تأخر!

الفساد لابد من محاكمته و محاكمة منهجيته, و اجتثاث مؤسسة الفساد يكون اولاً بالجواب على سؤال واحد و هو: هل يعقل ان يكون الكل فاسدين؟ أم أن المناخ ملائم للافساد و الافساد؟ و يبقى الواضح أن المنظومة أقوى بكثير من الشخوص!!