الخروج من المأزق

Posted on February 16, 2012

0


عبدالرزاق بني هاني

عبدالرزاق بني هاني

د. عبدالرزاق بني هاني

تشدني باستمرار، وبشكل لافت، بعض الخرافات (Myths) الإغريقية التي تصف حالاً واقعياً، وتصوره بأدق ما يكون من الوصف؛ ومنها الخرافة الشهيرة المعروفة باسم “سرير بروكرست”.

تقولُ هذه الخرافة “إن بروكرست كان قاطع طريق، وكان كلما أمسكَ بضحيةٍ يضعها على سريره. فإذا كانت الضحية أطول من السرير قام ببتر جزءٍ منها حتى تصبح على مقاس السرير، أما إذا كانت أقصر من السرير فإنه يقوم بشدها إلى أن تصبح على القدر المطلوب”.

أقول ذلك لأنني أرى أن أوضاع الوطن لا تسير على ما يرام؛ إنها تسير نحو الانفلات من عقال المنطقِ والمعقول، ولأن هناك فاسدين يتلاعبون بالحقائق بوضعها على مذبح الباطل، أو على سرير بروكرست، فيبترونها تارة ويشدونها تارة أخرى حتى تغدو على المقاس، إيثاراً لمصالحهم الآنية الرخيصة، ثم التغطية على الفساد الذي مارسوه في الماضي ويمارسونه في المرحلة الراهنة، ولأن البلاد أصبحت، ومن بعدها العباد، من الرخص في أعين هؤلاء بحيث يمكن التضحية بها مقابل حفنة من المال، مهما كانت قيمتها. فمن فرّط بمثقال ذرة من أي شيء يُفرّط بالوطن بدون أن يرف له جفن.

في مَثَل ذلك يحضرني القولان الشعبيان “إن فلاناً على استعدادٍ أن يحرق البلاد من أجل أن يُشعل سيجارته”،  و”إن الله يذبح جملاً كي يُطعم ثعلباً أو قطاً جائعاً”!

إن البلاد تقف الآن على مفترق طرق؛ إما إلى الأمام نحو الإصلاح والتنمية الشاملة (وليس أقل من ذلك)، وبهما تكون الدولة منيعة، عزيزة، وقوية، أو البقاء مرهونة لعاديات الزمن والأمواج المتلاطمة ورياح التغيير التي تعصف بها من كل حدب وصوب، وبالتالي الانتكاس ثم الرجوع إلى حال من التخلف ومزيد من التبعية.

في هذا الإطار الإدراكي، يغدو التأمل في ما يمكن أن تفضي إليه الأحداث المتسارعة، في الوطن وخارجه، ضرورة وطنية ملحة. وإزاء ذلك كله، تتجلى أمامي فرصتان: تبدو الأولى وكأنها فرصة ذهبية للجميع، إذا اغتنمناها فإنها سترقى بالبلاد وأهلها وتضع قطارنا التائه على سكة التنمية الشاملة، سياسية كانت أم اقتصادية أواجتماعية؛ أما الثانية، فهي سكة سوداء مظلمة، تضعنا على طريق الفوضى والنكوص والريبة والضياع، لا محال.

ليس من قبيل تسطيح الأمور الصعبة إلى حد السذاجة، ولا من قبيل التمني والتنظير الفارغ، إذا قلت إن التنمية الشاملة في بلادنا قابلة للتحقيق بكل سهولة ويسر، وبحدٍ أدنى من المؤثرات الخارجية، ومن غير أن تفرض علينا أن نرهن قراراتنا المصيرية إلى مراكز القرارات الدولية. وهذه الفرضية معقولة وقابلة للاختبار على أرض الواقع العملي. والمطلوب لتحقيق ذلك هو الخروج من أسطورة الإطار الذي صنعه الفاسدون وساعدهم في ذلك بعض قصيري النظر الذين صدّقوهم وتبعوهم إلى كل جحرٍ حفروه.

من أجل تحقيق التنمية المنشودة لابد أن يتوفر شرطان تبادليان؛ يتمثل الأول في الإرادة السياسية الخيّرة، بعيداً عن مؤثرات المدرسة الكلبية، وذلك بقبول الأمر الواقع من سخطٍ شعبي عارم، أخذ أشكالاً خطيرة من التعبير والاحتجاجات غير المسبوقة.

إن المطالبة بممارسة الإرادة السياسية الحقيقية في محاربة الفساد وقطع الرؤوس الكبيرة والصغيرة الراعية للفساد والمفسدين، بدون هوادة أو بطء، وطي صفحة الماضي والمضي قدماً في اختبار فرضية التنمية الشاملة من خلال الدولة بكل سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، بمساعدة مؤسسات المجتمع المدني الشرعية، لهي الحد الأدنى المطلوب في هذه المرحلة المفصلية.

إن الفصل الكامل بين سلطات الدولة إلى أقصى درجات الفصل الممكنة أصبح ضرورة ملحة. ويتبعها في الأهمية القصوى إنجاز تشريعات ناظمة للحياة العامة، يأتي في مقدمتها قانون انتخاب عصري يعمل على تمثيل الشعب تمثيلاً حقيقياً مهما كانت نتائجه، ووضع الضمانات اللازمة كي لا يتم إنتاج نفس عناصر النكوص والتخلف التي سادت خلال الحقبة الماضية.

أما الشرط الثاني، فيتمثل في قبول القاعدة الشعبية بشيء من الصبر والتأني؛ الصبر على ضيق ذات اليد إلى حين لملمة الجراح التي أحدثها الفاسدون المفسدون وأعوانهم، وذلك بهدف إعادة الحياة إلى دواليب الإنتاج الحقيقي ومحركات النمو. والتأني في طرح المطالب المعيشية التي تثقل الأحمال الملقاة على كاهل أصحاب القرار، وتعجز عن تحملها الدولة بمؤسساتها وأجهزتها.

إن معركة التنظيف، التي أشرت إليها آنفاً، شرط سابق على كل الشروط. إذ تهدف هذه المعركة، التي أظن أنها ستكون شرسة، إلى تنظيف البلاد من آفة الفساد والمفسدين، ووضع الترتيبات المناسبة لمحاكمة المرحلة السابقة بكل شفافية وأمانة وصدق، بحيث تغطي هذه المحاكمة تلك المرحلة من حياة البلاد بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تتطلب هذه المرحلة هدوءاً وصبراً ومثابرة لمدة لا تقل عن عشر سنوات عجاف، قد نقتات خلالها على الخبز والزيت والبصل، وليس في ذلك أي عيب أو أدنى مثلبة.

لابد من الاعتراف أننا مددنا أرجلنا خلال السنوات العشرين الماضية لمسافات أطول مما سمحت به إمكاناتنا المتواضعة.

إن الاقتصاد الوطني الهش والضعيف، يتأثر بأي تغيير تتعرض له مكوناته الأساسية، أي مكونات الناتج المحلي الإجمالي: الاستهلاك، والاستثمار، ونفقات الحكومة، وصافي الميزان التجاري. وحيث إن الاستهلاك يُعتبر من المكونات الكبرى للناتج المحلي الاجمالي، وثقافة الادخار شبه معدومة عند السواد الأعظم من الشعب الأردني، فإن أي مستوى من الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني يظهر جلياً وبسرعة فائقة، وينعكس بشكل خاص على مستوى معيشة عامة الناس، لأن ميل الناس إلى الاستهلاك أعظم بكثير من ميلهم نحو الادخار. فيكاد أن يكون ميل الناس نحو الاستهلاك مساوياً لما يأتيهم من دخل، أي أن الدينار الذي يأتيهم على شكل دخل يذهب بأكمله نحو الاستهلاك، ولا يتحقق منه أي ادخار. وبالتالي، فإن البرامج التنموية التي نفذت خلال السنوات العشر الماضية، وكان روادها أصحاب المشاريع التنموية الوهمية، لم تحقق أي ارتفاع في مستوى معيشة عامة الناس، وذلك لسببين رئيسين هما: أن مديونية الحكومة قد زادت إلى أضعافٍ مضاعفة، وأن القوة الشرائية للدخل المتاح قد انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة، وزاد الفقر وارتفعت البطالة.

أذكر خلال السنوات العشرين الماضية، أن وزارة التخطيط، وبطلب من السلطة التنفيذية، استدانت عدة مليارات من الدولارات من مؤسسات التمويل الدولية، من أجل إحداث تنمية في مجالات عديدة، منها الزراعة والمياه والطاقة والتعليم والتعليم العالي والصحة.

عند تفحص الحال التنموية الواقعية، يتبين أن تراجعاً كبيراً قد حدث في كل هذه القطاعات. فإذا أخذنا معدلات التضخم التي سادت خلال الفترات السابقة بعين الاعتبار، نجد أن القيمة المضافة للقطاع الزراعي قد تدهورت بالقيم النسبية والمطلقة، وزادت قيمة المستوردات من السلع الغذائية بالقيم النسبية والمطلقة، وتدهور الأمن الغذائي. وتراجع وضع قطاع المياه إلى مستويات خطيرة، حتى غدا الأردن من أفقر دول العالم بالموازنة المائية. وفي مجال التنمية الاجتماعية ومحاربة الفقر، زاد عدد الفقراء كنسبة وبالأرقام المطلقة، وزاد حجم البطالة، وتراجعت تنافسية قطاع التربية والتعليم، حتى إن تحصيل طلبتنا في الرياضيات والفيزياء، على سبيل المثال، يأتي في أدنى ما تحقق على المستوى العالمي. أما التعليم العالي، ففيه من الكوارث التي تراكمت ويندى لها الجبين. ولا داعي إلى الخوض في تفاصيل هذه الكوارث، ويكفي أن نقول إن أيا من جامعاتنا لم ترق إلى مستوى أول خمسمائة جامعة على المستوى العالمي. وفي قطاع الصحة، نجد أن وضع القطاع ومستوى ونوعية الخدمات فيه قد تراجعت عما كانت عليه في الماضي، من الناحية النسبية.

لا مجال إلى جلد الذات أكثر مما يجب، لكن الأهم من ذلك كله أن نعترف بأن برامج التنمية التي تم تنفيذها خلال السنوات العشرين الماضية لم تحقق إلا مزيداً من التبعية والمديونية والفساد الإداري والمالي، أو على الأقل إنها لم تحقق المرجو منها، فقد كانت مُسكنات تنموية، وليست حلولاً حقيقية دائمة.

إن من المضحك والمبكي في نفس الآن أن تستمر الحكومة الراهنة في السير على خطى سابقاتها من الحكومات من حيث السياسات الاقتصادية غير الرشيدة. فقد تعاقدت مؤخراً مع البنك الدولي على ربع مليار دولار، واتفقت مع نفس البنك على التعاون خلال السنوات الثلاث القادمة لدعم الأردن بمقدار 650 مليون دولار على شكل قروض، إضافة إلى 100 مليون دولار قد تطلبها الحكومة خلال الأسابيع المقبلة.

إن عامة الناس لا يعلمون أن القروض التي يمنحها البنك الدولي هي قروض بشروط تجارية بامتياز، وأن سعر الفائدة الذي تدفعه خزينة الدولة هو ما يسمى (LIBOR +)، وهو سعر الفائدة السائد بين البنوك التجارية في لندن، مضافاً إليه خمسين أو مئة نقطة. وهو بالتالي قرض تجاري.

في الجانب الآخر من الطيف أقول إنه ليس هناك عصا سحرية يمكن استخدامها لحل مشاكل التنمية والارتقاء بالمواطن إلى مستويات المعيشة المقبولة، فالأمر أصعب مما نتصوره بما أتيح لنا من أدوات، ويتطلب مزيداً من الصبر والتفكير والجَلَدْ على تحمل المرحلة المقبلة التي تبدو للعقلاء أنها ستكون أصعب مما فات، وفيها كثير مما يغث النفس البشرية. ولابد من التفكير الجدي في حلول دائمة تستند إلى المتاح من موارد التنمية المحلية.

إن التنمية الحقيقية المستدامة تتطلب توظيفاً كاملاً للموارد الاقتصادية من أرض وعمالة ورأس مال حقيقي وقدرات تنظيمية من أجل الوصول إلى أقصى إنتاج ممكن. ومن المؤكد أننا سنحتاج إلى زيادة كفاءة الإنفاق وإعدام الهدر مهما كانت مسبباته وقيمته، وتعظيم كفاءة استعمال الموارد الانتاجية الأخرى، والتركيز على استعمال العمالة المحلية ما أمكننا ذلك.

إن السنوات المقبلة، وبافتراض أن الأحوال الاقتصادية السائدة ستبقى على حالها إلى فترة ليست بالقصيرة، ستكون أشد قسوة مما هي عليه في اللحظة الراهنة، وأسوأ مما يتصوره البعض. وسيزداد الضغط على السلطات من أجل التخفيف على عامة الناس الذين تأثروا ويتأثرون بمجريات الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وحتى تغدو مطالبنا للناس بتخفيف احتجاجاتهم منطقية ومقبولة على الصعيد العملي، فإن على السلطات المعنية أن تبعث بالإشارات اللازمة الصحيحة حول جديتها بالإصلاح ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين، وأن تبث التطمينات اللازمة إلى عامة الناس بأن أيام المفسدين قد ولت إلى غير رجعة.

Posted in: الاردن