هاشم الخالدي يكتب: لعبة القط والفار في محاكمة الحيتان والكبار

Posted on March 5, 2012

0


باسم عوض الله

باسم عوض الله

لم أكن أدرك أن المثل القائل “كثرة الطباخين بتحرق الطبخة”، قد يصلح يوماً كإسقاط سياسي بامتياز على ما يحدث حالياً في مجال مكافحة الفساد في الأردن.

كثيرون أثاروا جدلاً واسعاً حينما بدأت عجلة مكافحة الفساد بالدوران، عندها شكك هؤلاء بجدية الدولة – ولن أقول الحكومة – بقصقصة أجنحة الفاسدين والمارقين الذين نهبوا البلد ذات غفلة من ليل مجنون اسقطوا فيه حسابات الشعب الأردني وحسابات فقراءه الذين باتوا يرددون بيت الشعرالأزلي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر.

يقلقني ما يجري في الأردن، ودعوني أتجه إتجاه محبط عندما أفتش ملياً في صفات مكافحة الفساد في الأردن، فالشارع والحراكات الشعبية تضغط بشكل إيجابي بهذا الاتجاه، لكننا في المقابل نجد أن الدولة إما أنها تتخبط ولا تعرف كيف ترضي غضب الشارع، وإما أنها تقصد وتتعمد أن تضيع الطاسة ويدورالشعب في فلك لعبة القط والفأر ولعبة من جاء ممن، الدجاجة من البيضة أم البيضة من الجاجة.

سأسرد لكم حقائق وأنا أعلم تماماً أن ما أقوله سيغضب منه الكبار ولا أبالي لأنني أتحدث للمصلحة العامة، ويقلقني ما يحدث في هذه اللعبة وإن كان بعض ممن يحققون في ملفات فساد كبرى ينطلقون من حب الوطن ولا يستطيع أحد أن يشكك بنزاهتهم أو نقاء سريرتهم.

وعلى مبدأ كثرة الطباخين، اسمحوا لي أن أسرد عليكم أحد أهم “المهازل” التي حدثت في مجال محاكمة الفاسدين فيما يتعلق ببرنامج التحول الاقتصادي وأترك لكم الحكم على ما يجري.

فجأة .. يصحوا النواب ويطالبون باعإدة فتح ملف التحقيق في برنامج التحول الاقتصادي، ويتم تحويل الملف إلى هيئة مكافحة الفساد التي تجد نفسها مضطرة لاستدعاء وزير التخطيط الأسبق باسم عوض الله.

إلى هنا الأمور تمام .. تخيلوا أن الملف تم إيقافه ولم يتم استدعاء الأخير بحكم أن قانون الهيئة لا يسمح لها التحقيق مع الوزراء الحاليين أو السابقين، فيتم تحويل الملف إلى الحكومة التي ترسله إلى مجلس النواب، وبعد أخذ ورد وتحقيق وتمحيص يتم تحويل الملف إلى النائب العام الذي يحيله إلى المدعي العام فيكتشف الأخير أن ملف التحقيق الذي أرسل له من مجلس النواب غير مكتمل من نواحي عديدة فيطلب تزويده بنسخة أصلية.

وفجأة يخرج علينا ديوان المحاسبة – أدام الله عزه – فيقرر رئيسه بناءً على تكليف من مجلس النواب التحقيق في ذات الملف وتشكيل لجنة عليا للبحث والتمحيص في برنامج التحول الاقتصادي وهو بمناسبة البرنامج الذي وقعت فيه الدول الأوروبية والأجنبية على مئات الملايين إن لم يكن المليارات التي تبخرت كما يقال على مشاريع لا أعتقد أن 1 % من الأردنيين استفاد منها فيما اختفت ملايين سيكشف عنها الادعاء العام في حينه.

الآن تاهت الأمور ولم نعد نعلم أين الملف ومتى ستصل النسخة الأصلية من مجلس النواب ومتى سيدأ المدعي العام التحقيق في الملف.

ما أريد قوله إذا كانت هيئة مكافحة الفساد غير معنية – حسب قانونها – بالتحقيق مع المتهمين من رتبة وزير فما حاجتنا إليها ؟ والأفضل هنا أمران: إما أن يتم حلها وتسليم مبانيها وموظفيها للعمل تحت مظلة النيابة العامة أو أن يتم تعديل قانونها لأن جميع الأردنيين يعلمون أن من نهبنا وسرقنا هم تلك الفئة العليا من موظفي الدولة من رتبة رئيس وزراء أسبق أو وزير أسبق، أما أن تبقى هيئة مكافحة الفساد تدور في فلك التحقيق مع صغار الموظفين فاعتقد أننا سنبقى نطحن الماء ليخرج لنا ذات الماء.

ورغم ذلك، لا أدري لماذا استفاق ديوان المحاسبة الآن وشمر عن ساعديه لتشكيل لجنة عليا لبحث ملف برنامج التحول الاقتصادي رغم أن المسار الرئيسي لوجوده الكشف عن الاختلالات والفساد والتجاوزات في أعمال الوزارات، فلماذا لم يكشف ديوان المحاسبة عن هذه التجاوزات في حينه؟ .. سأقول لكم لماذا ؟.

الجواب: لأن المتهم في هذا الملف هو وزير التخطيط الأسبق باسم عوض الله الذي لم يكن يجرؤ وبكل أسف أي مسؤول في الدولة على محاسبته أو مجرد النظر في وجهه لأكثر من دقيقتين .. هزلت.

ما يحدث في ملف برنامج التحول الاقتصادي يحدث أيضاً في ملف كازينو البحر الميت وملف سفر خالد شاهين وملف الخصخصة وغيرها الكثير من الملفات التي لم نعد نحن كجسم إعلامي قادرين على معرفة من هي الجهة التحقيقية التي يوجد لديها الملف.

في المحصلة فأنا أعتقد جازماً أننا الآن أمام خيار أن يتم تسليم كافة ملفات الفساد إلى النيابة العامة لأننا نمتلك بحمد الله مدعين عامين على قدر كبير من الكفاءة من أجل أن نقتنع بأن الدولة الأردنية جادة في مجال مكافحة الفساد وإلا بقينا نخض الماء ولن نجني في النهاية سوى الماء.

أعلم أن هذه المقالة ستغضب رئيس هيئة مكافحة الفساد إذا فهم أنها دعوة لإغلاق مكاتب الهيئة، لكن من ناحيتي أفهمها بأنها انتصارا للهيئة كي تمضي في تعديل قانونها بحيث يسمح لها بالتحقيق مع أي شخصية أردنية تولت مناصب عليا، وإلا كنا مضطرين بأن ندعو رئيس الهيئة بأن يخرج علينا ويطالب بمنحه صلاحيات عليا أو تسليم المبنى للنيابة العامة كي تأخذ صلاحياتها في محاسبة الفاسدين …

حمى الله الأردن من كل فاسد ظن ذات هزيع من ليل أن سرقة الأردنيين أهون من شرب الماء .. خاب ظنه .. خاب ظنه .. خاب ظنه ! وللحديث بقية.