الإصلاح وبرامكة التسلط والنهب

Posted on May 30, 2012

0


أ.د. محمد الحموري – يقول الحكيم الفرعوني إيبور ‘أيها الحاكم، أيها المؤتمن على الحق والعدل، يا من تملك البصيرة، إن الفساد ينتشر في كل مكان، وطال أمد الشكوى، لقد كذبوا عليك، فالبلاد تشتعل داخل النفوس، وأخشى من امتداد اللهيب، لأن الناس على شفا الهلاك’.

هذه الحكمة تقتضي عزل كل منافق أو نهّاب، أو برمكيٌّ يجلس على كرسي له بريق، فهؤلاء هم سبب البلاء، وحراس الفساد. فهم يباركون كل انحراف، ويبررون كل خطيئة، ويغررون بكل صاحب قرار. بعضهم أصبح جزءاً من أهل السلطة الخفية، وآخرون من مسوقي سلطانها وجبروتها، والجميع يكذبون. أدرك أن هؤلاء يكرهون كل ناصح أو حكيم، ويحقدون على كل من ينبه لمخاطرهم على حياة المجتمع ومسار الدولة، وأن بداخل كلٍّ منهم وحشاً، وقليلون من يستطيعون ترويضه. ومع أن قدرتهم على الإيذاء كبيرة، إلا أن من جعل حب الوطن جزءاً من عقيدته لا يخشاهم.

ومن هذا المنطلق أقول: أن الحكمة المذكورة التي قيلت منذ آلاف السنين، لا تزال تخاطب واقع اليوم، وينبغي رفع الصوت بها، فلعل مضمونها يكون دافعاً لإصلاحٍ حقيقي، يستجيب لمتطلباتنا التي تفرضها معطيات القرن الحادي والعشرين:

  1. فلقد أصبح مصدر الحق والعدل في زماننا، نصوصاً في الدستور والقوانين التي تصدرها السلطات، وهذه النصوص تقررها في الحقيقة جهات خفية، وتوقع عليها حكوماتٌ ظاهرة، يدل الواقع أنها لا تملك من أمرها شيئاً. وإن تبيّن أن مدلولات النصوص لا تخدم ما يرسمه وما يبتغيه أهل الخفاء، فيتم تفصيل مدلولات وتفسيرات للنصوص على المقاس لخدمة مطلوبهم، ليظل الحق والعدل دائماً أسيرهم وطوع بنانهم. ورغم أن هذا يعيد المواطن إلى حال زميله في العصور الوسطى، إلا أن نفاق الأقلام والأزلام، يسوّق ما يجري على أنه فتحاً عظيماً في عالم النظم السياسية، وبعد ذلك ليخرس علم القانون وفقهه وبديهياته.
  2. أما مبادئ الشعب مصدر السلطة والفصل بين السلطات، فهذه غدت في الحقيقة خالية القيمة والمضمون، لأن مصدر السلطات في الواقع هم أهل الخفاء، فهم من ينصّبون أعضاء سلطة التشريع تزويراً وتعييناً، وهم من يطردونهم من مواقعهم باستخدام تعبير دستوري لطيف هو حل مجلسهم. كما أن هؤلاء الأهل، هم من يعينون القضاة، وهم من يعزلونهم باستخدام تعبيرات قانونية لطيفة أيضاً، مثل الاستغناء عن الخدمة أو الإحالة على التقاعد قبل الأوان. وهكذا، فعندما تتلاشى رقابة الشعب، ممثلة ببرلمانه، عن رقابة أهل الخفاء ومحاسبتهم، وعندما يُباح التغوّل على سلطة العدل، ويصبح دولة الرئيس هو صاحب القرار في الإفراج عن الصحفي الموقوف جمال المحتسب، ويكون على المدعي العام والقاضي التوقيع، لينكشف بالتصريح العلني تبعية القضاء للحكومة والجهاز، في توجيه الاتهام والتوقيف، ثم التكرم بإطلاق السراح منّةً وتفضُّلاً، نقول، عندما يحدث كل ذلك جهاراً نهاراً، فإن المبادئ الدستورية وموازين الحق والعدل، لا تملك إلا الصراخ، ألماً من الجراح التي طرحتها على فراش الموت، ولا من مغيث.
  3. أما البصيرة، فإن حكام القرن الحادي والعشرين، مع استصحاب حسن النية، يستخدمونها في ضوء ما يتم تقديمه لهم من وقائع ومعطيات، وهذه لا يترك أهل الخفاء صغيرةً ولا كبيرةً إلا وأخضعوها للتصنيع، فلا يكون أمام البصيرة إلا الوصول لما يريده هؤلاء الأهل:
  4.  أليس من ابتلانا الله بهم من أهل الخفاء هؤلاء، هم من يَنْسُبون إلى المسيرات المطالبة بالإصلاح عظائم الأمور، ويتهمون من يرفعوا صوتهم في وطنيتهم، ويصفونهم بأنهم أقلية مارقه، أعماها الجهل وغياب الوعي عن رؤية النعيم في الوطن!! أو أنهم ممن لديهم أجندات خاصة تقف وراءها إسرائيل، أو قطر، أو القاعدة، أو زمبابوي، أو الإمبريالية، أو المتحالفين مع جماعة الشياطين!!
  5.  أليس هؤلاء الأهل من أصحاب سلطة الخفاء، هم من يبيعون الوهم، ويستخدمون أصحاب الوجاهات والوظائف لاستنفار الأقارب والموعودين بالمكارم، للاحتشاد في المسيرات، وهم من يرتبون سرادقات الخطب والهتافات والتصفيق، ليقوموا بمواجهة من يصفونهم بأقلية مارقة لأنها ما زالت تنادي بالإصلاح، ويقولوا لهم، ألا يكفيكم كثرة النصوص الدستورية التي عدلت، والقوانين التي للحقوق والحريات فصلت!! أليس هؤلاء الأهل للسلطة الخفية، هم الذين يكتبون في تقاريرهم أن المجلوبين للاحتشاد والهتاف، هم أبناء الوطن الحقيقيين، وأن الشعب في أربعة أركان الدولة تغمره السعادة بالنصوص الجديدة! فلماذا يتنكر هؤلاء الأقلية للنصوص الجديدة التي وضعها نواب الشعب، ويزعمون أنها لا تقيم ديمقراطية ولا ترعى حقوقاً وحريات!!
  6.  أليس هؤلاء الأهل، هم من يعينون أصحاب المواقع الرفيعة، رغم انعدام كفاءتهم، بحجة ولائهم، ولا يهم بعد ذلك تراجع الأداء، وانهيار التعليم الجامعي الذي قبضوا على ناصيته، وانتشار الفساد، وانحدار الاقتصاد حتى بلغ الحضيض.
  7.  أليس أهل الخفاء هؤلاء، هم أصحاب اللوح المحفوظ عن كل مواطن، ماذا يعمل، وماذا يقول في منزله أو عبر هاتفه، وما هو دخله المالي، وما هي أرصدته، وكم من الأموال هرّب للخارج، وكم المبالغ التي ارتشاها أو قبضها كعمولات، أو حصل عليها من خلال اتجاره بالوظيفة، حتى وصلت مديونية الدولة الآن إلى (14,5) مليار دينار، ومع ذلك، لم يقدم لنا أهل سلطة الخفاء فاسداً واحداً أعاد ما نهبه من مال الأردنيين!! فهل هؤلاء الأهل لا يُشعلهم سوى القبض على الحقوق والحريات، وسلطة التشريع والقضاء، وصلاحية الحكومات!! ليجعلوا في دواخل النفوس بركاناً يتزايد غليانه بسبب استشراء فساد حجمه بالمليارات، في حين لم يتم العثور على فاسد نستعيد منه ما سرق، وأن من تحوم حوله الشبهة، تتقرر براءته بسرعة البرق.
  8. أليس هؤلاء هم من يعطي للدستور مدلولاته ومعانيه، وأظهروا أمام الرأي العام بكلمات لا تقبل التأويل، أن رئيس الدولة وليس الدستور، هو من يمنح الحكومة صلاحياتها، وأوصلونا في نهاية المطاف إلى أن نصبح أمام دولة الجهاز بدلاً من أن نكون أمام جهاز للدولة.
  9. أليس أهل سلطة الخفاء هؤلاء، هم الذين يطلبون من المظلوم أو المقهور، أو من سُرق حقه، أو أُفرغت حريته من مضمونها، أن يواصل السكوت!! إن الأردني عندما يولد يفرح أهله بمقدمه، ويزداد فرحهم وهم يتّبعون جميع السُّبل لتعليمه الكلام، ولكن بعد أن يتقن الكلام، يتّبع أهل الخفاء جميع السُّبل لإسكاته، ثم يُستخدم سكوته القهري كدليل على الرضا ومباركة المفروض عليه!! ألا يعلم أهل السلطة الخفية، ما يتحدث به المواطنون المجلوبون كديكورات للتصفيق، وما يتندرون به في قراهم وبواديهم ومدنهم وتجمعاتهم، بكل مرارة، وما يوجهونه من نقدٍ واتهامات لا تبقى ولا تذر، فهل يعتقد أهل الخفاء أنهم قادرون على صد التيار المندفع عند تفاقم الأمور، باستخدام السوط والسجن والسلاح!! لقد كان لدى إيران في عهد الشاه، رجلٌ أمني واحد لكل (47) مواطن، ولدى مصر في عهد مبارك رجلٌ أمني واحد لكل (42) مواطن، لكن الطوفان في البلدين جرف الجميع!! فهل يتعظون!!
  10. أمام ما سبق، ماذا تفعل البصيرة في ظل وقائع ومعطيات مزورة، وكبت شعبي عارمٍ يتم إخفاؤه، ونصوص وتفسيرات لها مفصلة، لا تقيم وزناً لعقل أو واقع أو دستور!!
  11. نعم لقد كذبوا عليك، وتمادوا بالكذب، حتى ساء الحال كثيراً أمام لقمة العيش: فارتفاع الأسعار ترك أصحاب الرواتب من الموظفين والمتقاعدين جوعى، والباقي من العامة أصبحوا أذلّةً وهم ذووا الكرامات والكبرياء، وحاويات القمامة باتت ملاذاً يقتات منها من أصبحوا معدمين، وفوق هذا جميعه، فإن أُسرهم التي تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء، حصتها من الدين العام أكثر من عشرة آلاف دينار، رغم أنها على شفا الهلاك. أليس الجأر بالشكوى الذي يشهده الوطن حق وواجب!! فإلى متى تستمر أيام الجُمَع والناس يتذمّرون!! ألا يقود تكرار الشكوى والتذمّر اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وطول انتظار الحانقين إلى الانفجار، لأن الدواخل لا تستطيع استيعاب مخزون من التراكمات أكثر!!

نعم، لقد كذبوا عليك، ولا زالوا يكذبون، فهم برامكة لا يحسنون سوى الأخذ والقبض، والتسلط والنهب حتى بلغ السيل الزُّبى ولم يعد في الصبر قوس منزع، ألم يحن وقت الغضبة لحسابهم وعزلهم قبل فوات الآوان، ومن ثم تغيير نهج الحكم… فإلى متى انتظار الإصلاح.’الغد’