رهانات خاسرة

Posted on July 3, 2012

0


·        عمان هي الخاسر الأكبر في التحولات الأخيرة نظراً للوضع الجيوسياسي الأردني, و انتقال الأردن الى صف المواجهة مع سوريا قد يجعله يدفع الثمن الأكبر مستقبلاً. فسياسة تحول المواقف الحالية قد تدخل عمان في ورطة الطريق المظلم الذي يستحيل العودة منه, و يخطأ من يعتقد بأن عمان ستكون قادرة على النأي بنفسها عن تبعات التحولات الأخيرة  في مواقفها.

الأردن امام استحقاق تاريخي, و الأردنيون لابد أن ينظروا الى مصالحهم المستقبلية من بوصلة استراتيجية خالصة. السنوات الماضية كانت كافية ليتعلم الأردنيون درساً في شكل التحالفات و تبعاتها من مكاسب و مخاسر. مرحلة الخدمات المجانية و بناء السياسات حسب أهواء البعض انتهت. الثمن السياسي الذي دفعه الأردنيون في السنوات الأخيرة جراء ارتهانهم لسياسات و رغبات ما كان يسمى محور الاعتدال على وجه العموم, و السعودية على وجه الخصوص كان كبيراً جداً. ببساطة خسرنا الجميع, و النتيجة عمان غير مرغوب بها خليجياً اليوم. الأردنيون ليسوا مضطرين لاستجداء أحد و ليسوا مضطرين لقبول أي شكل من أشكال التحالفات المؤقتة المعروضة حالياً, ذاك أن أي تحالف مؤقت لن يتجاوز انقضاء الحاجة بمعنى آخر زواج متعة.
الأردنيون أمام استحقاق اعادة ترتيب بيتهم الأردني تبعاً للتحولات الأخيرة على مسرح السياسة العالمي. براغماتياً,  لابد من اعادة التموضع و بناء التحالفات الجديدة على أساس استراتيجية الجغرافية و التاريخ. تاريخياً لا يمكن للأردنيون اليوم أن يتناسوا حقهم التاريخي في الأرض التي خسروها في فلسطين و اي مؤامرة تهدف الى احداث خسائر أخرى سيواجهها الأردنيون عبر اعادة انتاج مشروع المقاومة التاريخي للعدو الاسرائيلي.
 جغرافياً الحدود الأردنية الأطول مع العراق تفتح المجال امام اعادة التحالف الاستراتيجي الأردني العراقي ليكون بوابة العبور الى الحلف الجديد الناشئ برعاية روسيا و الصين. و الذي سينهي اوهام التحالفات الواهية المبنية على مبدأ الاستجداء,  و يؤكد ضرورة الانقلاب على الحلف السعودي المتهاوي و المأزوم داخياً.
الأردن و حماس: تجارة خاسرة
العلاقة مع حماس فقط ليست مخرجاً من ازمة داخلية, بل هي تجذير لأزمة و تشبه حال من يهرب من حفرة ليقع في بئر. استخدام حماس لضبط ايقاع فئة في الشارع الأردني هو بمثابة اعلان حالة  الافلاس السياسي.  اما محاولة تقديم حماس كقربان جاهز للدخول في عملية السلام لم يعد يعني الاسرائيليين كثيراً , لهذا فالعلاقة مع حماس هي خسارة استراتيجية في الداخل و الخارج. فعلى من يسعى الى ايجاد دور لنفسه في المرحلة القادمة ان يدرك أن حماس فصيل فلسطيني و الترحيب به في الاردن يجب أن يكون ضمن مظلة المصالحة الفلسطينية التي يجب على الأردنيين السعي لانجازها بأسرع وقت. من ناحية أخرى, لن يكون بمقدور المكون البيروقراطي الأردني الواسع ان يتجاوز شعور الغبن الذي ولدته حالة الرعونة السياسية الحالية. هذه السياسة القاصرة ترى الأمور من خلال عدسة براغماتية مشوهة, فهي تصر على ضرورة الانحياز لمنتج الربيع العربي الأقوى المتمثل بالاسلاميين. يعتقد أصحاب هذه السياسة بان معطيات التحولات و منطق الربح و الخسارة يشير الى ضرورة استباق فتح الابواب المغلقة مع مكونات مشروع الأسلمة و قبول الواقع الجديد ضمن صفقة تبقي على الامتيازات القائمة للطبقة الحاكمة.  أصحاب هذا الفكر يتحدثون عن مصر مثالاً,  للتذكير فقط, في مصر مفهوم الدولة العميقة كان حاضراً – من وراء الكواليس- و تم انتاج رئيس اخواني “مقصوص الجناحين” بمواصفات الدولة المصرية و ليس بالمواصفات التي كانت قد فرضت في البداية, هكذا كان العرض: من الممكن أن تكون رئيساً, لكن بشروط مصرية.
سوريا مفتاح التغير في النظام العالمي, و كلمة الفصل في موسكو فقط!
بغض النظر عن شكل التطورات في الأزمة السورية, هناك هزات ارتدادية ستشهدها الدول المحيطة بسوريا, خصوصاً الأردن و لبنان.
تطورات المشهد في سوريا تشير الى بداية ظهور نتائج الصفقة الامريكية-الروسية الى العلن.  العالم يجمع أن كلمة الفصل في سوريا هي لموسكو فقط. حتى حلفاء أمريكا التقليدين أقروا بأن كلمة الفصل في سوريا هي لروسيا, آخر هؤلاء كان وزير الخارجية الاسترالي. حلف شمال الأطلسي “الناتو” من جهته أقر بعدم القدرة على التدخل العسكري في سوريا, و جاء التأكيد على لسان راسمسون الذي قال أن لا حل للأزمة السورية سوى الحل السياسي ولا نية للحلف  للتدخل العسكري, بالرغم من تخبط عضو الحلف التركي الساعي بلهفة الى مواجهة عسكرية تخرج الأتراك من مأزقهم المتفاقم, و الذي كان آخره السقوط في اكبر فخ  تنصب له  المخابرات السورية في مسألة الطائرة التركية. لهذا فان محاولات التحالف القطري السعودي التركي باشعال فتيل الحرب في سوريا لن تجدي نفعا بل ستحول هذا التحالف قريبا الى مصدر القلق الأكبر للمجتمع الدولي, حيث أن شكل التحالف و ادواته الارهابية الكوارثية التي يتم الزج بها الى المشهد السوري لا يمكن ان تكون مقبولة عند كثير الدول التي مازالت تعاني من تداعيات الارهاب و موجاته, لهذا فان سحب الأسلحة من المسلحين في سوريا هو مطلب توافقي للقوى الدولية. مع العلم أن تسريبات كثير من الوثائق تشير الى ضلوع القطريين و السعوديين و الاتراك بصفقات شراء أسلحة عبر وسطاء في المنطقة مقابل مبالغ مالية ضخمة من أجل ادخالها الى سوريا. و قد ثم ضبط كثير من رجال الأعمال السوريين و الأردنيين و الاتراك في بلغاريا و صربيا و بحوزتهم وثائق سعودية و قطرية تسمح لهم بعقد صفقات شراء سلاح مدفوعة من قبل حكومات البلدين.
 المعارضة السورية من جهتها بدأت تؤمن بضرورة فتح قنوات اتصال مع موسكو. روسيا تسعى الى تنظيم اكبر مؤتمر للمعارضة السورية الحقيقية لتسحب بهذا ورقة المعارضة من تركيا وقطر. كثير من الانباء تؤكد أن القيادة الروسية قطعت شوطاً مهما في الحوار السري مع المعارضة, هذا قد يفضي الى انتخاب مجلس حكم سوري من المعارضة يتم تفويضه بعملية ديمقراطية انتخابية للحوار في موسكو مع النظام و تحديد شكل المرحلة الانتقالية بحيث تعود المسألة السورية للسوريين و برعاية روسية.
الأردنيون معنيون تماما بشكل التسوية في سوريا, و لابد لهم أن يكونوا على تماس و تواصل مع كل أطرافها. و على صعيد آخر, ظهور بوادر الأزمة في الضفة الغربية تشير الى ضرورة ان يستبق الأردنيون الأزمة القادمة بفتح الخطوط على كل مكونات المجتمع الفلسطيني و انجاز مشروع المصالحة الفلسطينية في أسرع وقت. نفس الخطوة لابد من اتخاذها على الجانب العراقي, فالعراقيون حلفاء تاريخيون, و مصلحة الوجود الأردني تكمن  في عراق متناغم قوي يكون بديلاً عن التحالفات الخاسرة السابقة.
د.عامر السبايلة