نهج الخصخصة: من المراجعة إلى التراجع بقلم ناهض حتر

Posted on July 3, 2012

0


في حديث الملك عبدالله الثاني إلى التلفزيون الأردني، طرح الزميل رمضان رواشدة، السؤال الجوهري الغائب حول الدور الرئيسي الذي لعبه نهج الخصخصة في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي يعيشها الأردن الآن. وأقول: السؤال الغائب ليس لأنه غير مطروح في النقاش الوطني. بالعكس، فهو ماثل بقوّة كعنوان للحراك الوطني الاجتماعي في بلدنا، لكنه ظل غائبا في كل الحوارات التي أجراها أعضاء النخب مع الملك خلال السنتين الماضيتين. فهؤلاء المعنيون بقضايا ما يسمى الإصلاح السياسي الليبرالي لم تشغلهم القضايا الأساسية التي تؤرّق الشعب الأردني. كذلك، فإن الخطاب الرسمي كرّر الإشادة، دائما، بما يسميه الإصلاح الاقتصادي الذي هو نفسه نهج الخصخصة، أيديولوجيةً وسياساتٍ ونخباً.

للمرة الأولى، يلاحظ الملك في حديث علني أن ” الكثير من النقاشات تضع اللوم (في ما وصلنا إليه من أزمات)على سياسات الخصخصة بالذات”. والجديد أن الملك بدأ يرى شيئا من الوجاهة في هذه الأطروحة. ومن الواضح أنه قرر الاستجابة للمطلب اليساري الوطني بضرورة “مراجعة سياسات وعمليات الخصخصة ، وأثرها الاقتصادي والاجتماعي في إطار زمني سريع ومحدد”. وهو يقترح تشكيل لجنة من خبراء محليين ودوليين للقيام بتلك المراجعة. لكن ربما كان الأكثر فعالية أن تكون تلك اللجنة استشارية تعمل لصالح مؤتمر اقتصادي اجتماعي وطني يضم ممثلين عن القوى السياسية والاجتماعية والنقابية، المهنية والعمالية، والمحافظات والبلديات وقيادات الحراك الشعبي والنسوي والحقوقيين والمثقفين والفنانين الخ. وذلك، وفق برنامج يتضمن عروضا ووجهات نظر نابعة من الميدان وشهادات حية، جنبا إلى جنب مع العروض الخاصة بالمعطيات الفنية والمالية، وتجارب الدول الأخرى.

والشيء المهم أن ينتهي ذلك المؤتمر إلى استنتاجات يمكن وضعها موضع التطبيق، وأن تقود المراجعة إلى التراجع عن سياسات وعمليات الخصخصة الخاطئة، بما في ذلك إعادة السيطرة على القطاعات التي يتبين أن خصخصتها الحقت وتلحق الضرر بالاقتصاد والمجتمع، وفي مستوى ثان الكشف عن آليات الفساد خلال عمليات الخصخصة نفسها وما بعدها في الشركات التي تم اخضاعها لشركاء استراتيجيين تربحوا على حساب الشركات والبلد. وفي مستوى ثالث، التوصل إلى اجماع وطني على هوية اقتصادية واجتماعية للدولة الأردنية.

لقد دار معظم النقاش، حتى الآن، على عمليات الخصخصة، لكن الأهم، من وجهة نظري، هو ما يتعلق بالسياسات النيوليبرالية التي تركّز على حرية السوق والتجارة والاستثمار بلا خطة وطنية ، ما يخسف الواردات الجمركية ويضر بالمنتجات والمهن المحلية ويقضي على تنافسية المؤسسات الصغيرة، ويقود إلى التركزات الخطرة في المجالين المالي والعقاري.

السياسات النيوليبرالية ما تزال هي المسيطرة، وتركز على منح الأولوية للاستثمارات الأجنبية والكبيرة، وتقديم التسهيلات والإعفاءات لجذبها وتحفيزها. لكننا نعلم أن المستثمرين يتخذون قراراتهم على أساس الميزات النسبية للبلدان. وليس لدينا ميزات نسبية ( فالسوق ضيقة والعمالة عالية الأجور والمياه شحيحة والطاقة مستوردة) سوى تمكين المستثمرين الأجانب ووكلائهم المحليين من الحصول على أصولنا الوطنية بمقابل زهيد وبشروط إذعان ومخالفات صريحة للقيود الدستورية والقانونية، وتسخير الشركات للتربّح، كما حصل في قطاع التعدين ـ وخصوصا الفوسفات ـ وقطاع الطاقة ـ شركة توليد الكهرباء ـ أو السيطرة على الأصول وحصد الأرباح على حساب المواطن والخزينة، كما حصل في قطاع الاتصالات.

لذلك، حين يراجع الأردنيون ملفات الخصخصة يجدونها، بهذه الصورة أو تلك، ومن دون استثناء، ملفات فاسدة أو مشبوهة أو غامضة أو فاشلة، مما يجعلهم يربطون الفساد والفاسدين بفكر النيوليبرالية ونهجها ورجالها.

الأردن ـ بتراثه وثقافته نصف البدوية ـ نصف الفلاحية وتركيبته الاجتماعية وحجمه وطبيعة موارده، لا يستقيم أمره إلا بالدولة ودورها القيادي في المجال الاقتصادي والاجتماعي. والدولة الأردنية هي، بالتعريف الجيوسياسي، دولة قطاع عام. والتحدي الماثل أمامنا هو تحويلها الى دولة قطاع عام حديثة وديموقراطية.