الأردن خطر الديموغرافيا والثقافة

Posted on July 30, 2012

0


د.عامر السبايلة – التـأسيس لتقسيم الشرق الأوسط بدأ مع تسويق الفكر المذهبي والطائفي والعرقي الضخ الاعلامي المتزايد عن تقسيمات المجتمعات العربية بات واضحاً جداً واسقاط هذا النموذج على الحالة الأردنية لم يعد مستبعداً.

فبعد العراق وسوريا لم يعد هناك عوائق للانتقال من الحالة الاعلامية الى الحالة التطبيقية, ببساطة لم تعد الشعوب قادرة على التعايش مع نفسها فلابد من تقسيمها. المشهد الاقليمي العام اليوم يشير الى استعدادات تجري على قدم و ساق للبدء في انشاء الكانتونات العرقية و الدينية الصغيرة المتناحرة. فمع الحديث عن تحول قادم في شكل (اسرائيل المدنية) الى “دولة عبرية” لابد ان للشرق الاوسط أن يتحول الى فسيفساء من الدويلات الدينية الصغيرة تكون فيها الدولة العبرية الأكبر و الأكثر حضارةً.

ديمقراطية الأعراق والمذاهب؟

عن أي ديمقراطية نتحدث عندما تسقط العقول والأفكار ويُقسم الناس تبعاً لأصولهم واديانهم؟

بعبارة بسيطة, هذه الديمقراطية هي «فخ» السقوط الجديد. فالديمقراطية هي سلوك ثقافي ناتج عن وعي تراكمي و تجارب متعددة بشقيها الايجابي و السلبي. الديمقراطية التي لا تملك بوصلة أيديولوجية، هي تجذير لحالة من الحرب الأهلية مع وقف التنفيذ. الديمقراطية لا تُبنى على الإثنية أو المذهبية أو الطائفية او حتى على المحاصصة الانتهازية، وان كان ذلك فهذه لا يمكن دعوتها «ديمقراطية».

فالديمقراطية هي أداة تصهر كل الاختلافات العرقية والمذهبية والطائفية ضمن اطار سياسي ايديولوجي فكري و تنهي على كل التحزبات المذهبية او الصراعات الدينية والعرقية.

الأخطر ان العقل العربي تعرض لحملة ممنهجة لتسويق النموذج اللبناني على أنه ديمقراطي، وهو ما يتناقض مع الواقع لأنه نموذج يمارس ديمقراطيته بصورته الإثنية والمذهبية والدينية و بمجرد النظر الى الماضي القريب و الحاضر المعاصر ندرك تماماً حجم التناغم المفقود والشرخ القائم في المجتمع اللبناني و الذي قد يصل الى مستوى الحرب الأهلية مجدداً وفي اي لحظة.

المشكلة الأكبرأن الهويات الوطنية التي لم تنتج ضمن خطة اندماج مجتمعي و ثوابت وطنية عميقة تتجاوز في مضمونها الشخوص,تبقى هويات هشة غير قادرة على مواجهة التحديات و الهزات. للأسف أن معظم هذه الهويات تتشابه في حالة تكوينها حيث انها انتقلت من الحقبة الكولونيالية إلى شكل “الدولة المدنية” بصورة سريعة، ولم تأخذ في الحسبان المخاض الطبيعي و النمو الفكري في مسألة القيمة الإنسانية وشكل الدولة ومفاهيمها الأساسية من حرية وعدالة ومساواة.

الأردن بدوره يتعرض لاخطار حقيقيية اقتصادية و امنية, و لكن التحدي الأكبر يتجسد في العبث في الحالة الديموغرافية و الثقافية. موجات اللاجئين المتركزة من الجنوب السوري و تركزها في مناطق معينة في الشمال الأردني هو عامل مؤثر جداً في ثقافة و ديموغرافيا المنطقة و التي قد تشكل لاحقاً عوامل سلخ كامل عن المجتمع الأردني. أحد سيناريوهات التقسيم التي طرحت في مشروع الشرق الأوسط الكبير وجدت هدفاً حقيقياً في وجود امارة ممتدة من جنوب دمشق الى المفرق تحت مسمى (امارة حوران). التهجير الفلسطيني الى الداخل الأردني هو خطر آخر في وجه الفلسطينيين و الأردنيين على حد سواء. انهاء القضية الفلسطينية و تصفيتها و العبث في امن المخيمات الفلسطينية في سوريا بهدف تهجير اهلها و دفعهم باتجاه اماكن اخرى قد يكون الأردن واحداً منها سيعمل على تفجير الواقع الديموغرافي الثقافي الأردني, و الذي لن يقل خطراً عن انهيار الاوضاع الاقتصادية و الأمنية لا قدر الله.

الدولة الأردنية امام تحديات كبيرة, و مراقبة الأمور بحذر لم تعد تجدي فائدة ذاك أن كثيراً من الأمور اليوم يتم تنفيذها بطريقة الفرض و التعامل مع الأمر الواقع, لهذا فلابد من استباق الأخطار القادمة بحكمة و جرأة. و لنتذكر أن بناء هوية وطنية أردنية جامعة هو أولويتنا الاستراتيجية قبل الخوض في فكرة محاصصة سياسية أو من يتولى السلطة.